المقريزي
351
المقفى الكبير
الحسين به فضرب في الشرطة ألفا وثمانمائة سوط ودرّة ، وطيف به فمات . وشهد أكثر الناس من أهل البلد جنازته وزاروا قبره بكرة وعشيّا فندم القاضي على فعله فيه . [ التنافس مع ابن عمّه على القضاء ] وفي ثالث رجب سنة [ 541 أ ] تسعين وثلاثمائة ، فوّض الحاكم بأمر اللّه للقاضي أبي القاسم عبد العزيز بن محمد بن النعمان النظر في المظالم وأذن له أن يسمع البيّنة فيها ، فقبل جماعة من الشهود اختارهم بعد ما راسل قوما وامتنعوا من الشهادة عنده ، رغبة منهم في الشهادة عند قاضي القضاة الحسين . فوقع بذلك بين الناس [ 407 ب ] اختلاف ، وصار من رفع غريمه إلى الحسين يريد خصمه عبد العزيز ، ومن خاصم إلى عبد العزيز طلب غريمه إلى الحسين ، ولا تزال الشرور بين الناس بهذا السبب ، وصار عبد العزيز إذا جلس بالجامع حضر الشهود عنده ولا يحضر أحد عند الحسين ولا يصير إلى داره . وفي تاسع صفر سنة إحدى وتسعين [ وثلاثمائة ] ، قام رجل مغربي « 1 » إلى القاضي حسين وهو في صلاة العصر بالجامع فضربه بحديدة في جبهته ، وجرحه ثلاث جراحات ، فثار الناس به وضجّوا ضجّة عظيمة وبطشوا بالرجل فمات لوقته وبقي مطروحا إلى العشاء ثمّ صلب فسرق بعد عشرة أيّام في الليل . ولزم القاضي داره لما به وعاده سائر أهل الدولة . ثمّ ركب في الخامس من ربيع الأوّل إلى القصر ، فخلع عليه وقيد بين يديه بغلتان بسروجهما ولجمهما ، وحملت عدّة خلع على أيدي الخدّام إليه . وقبض على رجل من أهل الشام سئل عن أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب رضي اللّه عنه ، فقال : « لا أعرفه » . فاعتقله القاضي وبعث إليه أربعة من الشهود فسألوه عن عليّ رضي اللّه عنه ، فأقرّ بالنبيّ صلّى اللّه عليه وسلم وأنّه نبيّ مرسل وقال : « لا أعرف علي بن أبي طالب » . فاستدعاه قائد القوّاد الحسين بن جوهر ورفق به فلم يرجع فضرب عنقه بأمر الحاكم وصلب « 2 » .
--> ( 1 ) عند ابن حجر ( الكندي ، 596 ) : رجل مغربيّ أندلسيّ ، طعن القاضي بمنجل . ( 2 ) هذا الشاهد على التعسّف المذهبيّ لم يذكره ابن حجر في ترجمة قاضي القضاة . وعلى العكس ، نجد عند ابن خلدون شيخ المقريزي كما يقول صاحب المقفّى ، نصّ رسالة من الحاكم إلى رعاياه هي مثال في التسامح المذهبيّ وإقرار لحريّة الناس في معتقدهم وطقوسهم . وجاءت الرسالة كردّ فعل من الخليفة الفاطميّ واستنكار منه لسلوك « جماعة من الروافض تعرّضوا لأهل السنّة في التراويح بالرجم ، وفي الجنائز . فكتب في ذلك سجلّا قرئ على المنبر بمصر ، كان فيه : « أمّا بعد ، فإنّ أمير المؤمنين يتلو عليكم آية من كتاب اللّه المبين : لا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [ البقرة : 256 ] . مضى أمس بما فيه ، وأتى اليوم بما يقتضيه . معاشر المسلمين ، نحن الأئمّة وأنتم الأمّة . ألا من شهّد الشهادتين أحقّ أن لا تحلّ له عروة ، ولا توهن قوّة بين اثنين تجمعهما هذه الأخوّة ، عصم اللّه بها من عصم ، وحرّم لها ما حرّم ، من كل محرّم ، من دم ومال ومنكح . الصلاح والإصلاح بين الناس أصلح ، والفساد والإفساد من العباد يستقبح . يطوى ما كان فيما مضى فلا ينشر ، ويعرض عمّا انقضى فلا يذكر ، ولا يقبل على ما مرّ وأدبر ، من إجراء الأمور على ما كانت عليه في الأيّام الخالية ، أيّام آبائنا الأئمّة المهتدين ، سلام اللّه عليهم أجمعين ، مهديّهم باللّه ، وقائمهم بأمر اللّه ، ومنصورهم باللّه ، ومعزّهم لدين اللّه ، وهم إذ ذاك بالمهديّة والمنصوريّة ، وأحوال القيروان تجري فيها ظاهرة غير خفيّة ، ليست بمستورة عنهم ولا مطويّة . « يصوم الصائمون على حسابهم ويفطرون ، ولا يعارض أهل الرؤية فيما هم عليه صائمون ومفطرون . « صلاة الخمس للّذين بها جاءهم ، فبها يصلّون ، -